ناكرو جميل الدولة السورية

ما أشدَّ مرارة أن يستيقظ الإنسان ذات يوم ليُعلن أن الوطن الذي احتضنه لم يكن سوى “كذبة”، وأن الدولة التي وفّرت له الأمن والتعليم والعمل والمؤسسات لم تكن جديرة بالبقاء. والأشد إيلامًا أن تصدر هذه الأحكام ممن عاشوا في كنف تلك الدولة، واستفادوا من مؤسساتها، وبنوا مكانتهم وثرواتهم في ظلها، ثم انقلبوا عليها حين تبدّلت الموازين.
لقد اختلط في السنوات الأخيرة الغضب المشروع من ممارسات الأنظمة الحاكمة برفض فكرة الدولة نفسها، حتى بات بعضهم يتحدث عن تمزيق سورية إلى كيانات متناحرة، وكأن التاريخ والجغرافيا والهوية الوطنية صفحات يمكن تمزيقها بقرار عابر أو انفعال مؤقت. فمنهم من يحلم بأوغاريت، وآخر بالباشان، وثالث بكردستان، ورابع بإسلامستان، وكأن مستقبل الشعوب يُبنى على الخرائط المتخيلة لا على المصالح المشتركة.
إن معارضة نظام حكم لا تعني معاداة الوطن، ورفض السياسات لا يبرر هدم الدولة. فالدول باقية، أما الأنظمة فمراحل في مسيرة التاريخ، تتغير وتزول، بينما يبقى الوطن الجامع لأبنائه جميعًا.
لقد نجحت الآلة الإعلامية، بما تمتلكه من أدوات التأثير، في إعادة تشكيل وعي كثيرين، حتى من بين النخب والمثقفين، فغدا بعضهم يردد شعارات التقسيم والكراهية وكأنها حقائق لا تقبل النقاش، متناسين أن الأمم التي تنهض لا تبدأ بتمزيق نفسها، بل بإعادة ترميم ما تصدع فيها.
إن الاحتماء بالطائفة أو العِرق أو الجماعة الضيقة قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالأمان، لكنه لا يصنع مستقبلًا مستقرًا. أما الاحتماء بالوطن، فهو وحده الكفيل بصناعة دولة تتسع للجميع، وتحفظ الحقوق، وتصون الكرامة.
لقد علّمنا التاريخ أن الشعوب التي امتلكت إرادة الحياة استطاعت أن تنهض من تحت الركام، كما ينهض طائر الفينيق من رماده، وأن تبني أوطانها من جديد مهما اشتدت المحن. أما الشعوب التي استسلمت لخطاب الانقسام، فقد دفعت أثمانًا باهظة ما زالت أجيالها تؤديها حتى اليوم.
يبقى الانتماء للوطن أسمى من كل انتماء آخر، لأنه الإطار الذي يحمي الجميع دون تمييز. وأما الولاءات الضيقة، مهما بدت قوية، فإنها لا تستطيع أن تُقيم دولة، ولا أن تصنع حضارة، ولا أن تضمن مستقبلًا آمنًا لأبنائها.
نسأل الله أن يهب الجميع بصيرةً تُقدّم مصلحة الوطن على كل اعتبار، وأن يجمع القلوب على كلمة سواء، فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد، بل بالعقول الواعية والإرادة الصادق.



