مقالات

هل يحق لحكومة الأمر الواقع في سوريا توقيع اتفاقيات دولية؟ قراءة قانونية وواقعية

في ظل التحولات السياسية العميقة التي تشهدها سوريا، يبرز تساؤل جوهري حول مدى أحقية حكومة الأمر الواقع—التي وصلت إلى السلطة في ظروف استثنائية ولم تأتِ عبر مسار انتخابي واضح—في إبرام اتفاقيات دولية ملزمة، خاصة تلك التي تحمل آثارًا طويلة الأمد مثل التعويضات أو الالتزامات المالية الكبرى. هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بشكل مبسط، لأنه يقع عند تقاطع معقد بين قواعد القانون الدولي وحقائق السياسة على الأرض.

من الناحية القانونية البحتة، لا ترتبط صلاحية توقيع المعاهدات بطبيعة الحكومة بقدر ما ترتبط بكيان الدولة نفسها. فوفقًا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، تبقى الدولة هي الشخص القانوني المستمر في العلاقات الدولية، بغض النظر عن تغير الحكومات أو طبيعتها. وبناءً على ذلك، يمكن لحكومة الأمر الواقع في سوريا نظريًا أن تمثل الدولة وأن توقع اتفاقيات باسمها. غير أن هذه القاعدة تصطدم مباشرة بعوامل واقعية حاسمة، أبرزها مدى الاعتراف الدولي بهذه الحكومة، ومدى سيطرتها الفعلية على مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة الإدارية والمالية والعسكرية.

في هذا السياق، يُستخدم مفهوم “حكومة الأمر الواقع” للإشارة إلى سلطة تفرض سيطرتها على الأرض وتدير مؤسسات الدولة، لكنها قد تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الاعتراف الدولي الكامل. وهذا يعني أن قدرتها على توقيع الاتفاقيات لا تُلغى قانونيًا، لكنها تصبح موضع اختبار عملي: هل ستعترف بها الدول الأخرى كشريك شرعي؟ وهل ستلتزم هذه الدول بما يتم الاتفاق عليه؟

هنا تظهر أهمية التمييز بين أنواع الاتفاقيات. فالاتفاقيات التقنية أو المؤقتة، مثل التنسيق بين البنوك المركزية أو الترتيبات الإنسانية، غالبًا ما تكون مقبولة نسبيًا حتى في ظل حكومات انتقالية أو مثيرة للجدل، لأنها تخدم مصالح مباشرة ولا ترتب التزامات سياسية ثقيلة. في المقابل، تصبح الاتفاقيات الاقتصادية المتوسطة—كالقروض أو الاستثمارات أو عقود الطاقة—أكثر هشاشة، إذ تعتمد على درجة الاستقرار الداخلي وثقة الأطراف الدولية، وغالبًا ما تكون عرضة لإعادة التفاوض عند تغير الظروف السياسية.

أما الاتفاقيات الكبرى، مثل التعويضات عن أحداث تاريخية أو الالتزامات المالية طويلة الأمد أو التنازلات السيادية، فهي الأكثر إثارة للجدل في حالة حكومة أمر واقع. ذلك أن مثل هذه القرارات تتطلب عادةً مستوى عاليًا من الشرعية السياسية والقبول الشعبي، وهو ما قد لا يتوفر في سياق انتقال غير مستقر. وبالتالي، حتى لو تم توقيعها رسميًا، فإنها تظل عرضة للطعن أو الإلغاء من قبل حكومات لاحقة، خاصة إذا اعتُبرت مفروضة أو غير معبرة عن إرادة المجتمع.

يزداد هذا التعقيد إذا كانت الحكومة محل جدل دولي أو تواجه اتهامات بانتهاكات داخلية. ففي مثل هذه الحالات، لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى إبطال الاتفاقيات من الناحية القانونية، لكنه يضعف شرعيتها بشكل كبير ويحد من استعداد الدول الأخرى للدخول في التزامات طويلة الأمد معها. كما قد يفتح الباب أمام مساءلات قانونية دولية في بعض الظروف، بما يزيد من هشاشة أي اتفاق يتم إبرامه.

عند النظر إلى تجارب دولية مشابهة، يتكرر نمط واضح: يتم الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون في المجالات الإنسانية أو التقنية، بينما يتم تجنب الاتفاقيات الكبرى أو تأجيلها، وتبقى العديد من الالتزامات عرضة للمراجعة عند حدوث تغيير سياسي. وهذا يعكس حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، وهي أن قوة الاتفاق لا تُقاس فقط بصيغته القانونية، بل بمدى قابليته للاستمرار في بيئة سياسية متغيرة.

في الحالة السورية، يتضح أن قدرة حكومة الأمر الواقع على توقيع الاتفاقيات لا تعني بالضرورة قدرتها على ضمان استمرارها. فالعامل الحاسم في النهاية ليس التوقيع بحد ذاته، بل توافر ثلاثة عناصر مترابطة: قبول داخلي يمنح الاتفاق شرعية اجتماعية، واعتراف دولي يوفر له غطاءً سياسيًا، واستقرار مؤسسي يسمح بتنفيذه فعليًا. في غياب هذه العناصر، قد تتحول الاتفاقيات إلى التزامات مؤقتة أو وثائق قابلة للإلغاء عند أول تحول في موازين القوى.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن حكومة الأمر الواقع في سوريا تمتلك من حيث المبدأ القدرة القانونية على إبرام الاتفاقيات الدولية، لكنها تعمل ضمن هامش ضيق تحدده اعتبارات الشرعية والواقع السياسي. وبينما قد تستمر الاتفاقيات التقنية لفترة معقولة، تبقى الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى والسيادية رهينة للتغيرات المستقبلية، ما يجعلها أقرب إلى ترتيبات مؤقتة منها إلى التزامات مستقرة طويلة الأمد

لما المحمود

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى