مقالات

إسلام آباد: شراء الوقت أم ثلاث دروب نحو الحروب المقبلة

سمير التقي،
ليست مفاوضات إسلام آباد مجرد جولة أخرى في دفتر الأزمات الشرق أوسطية. ستكون نتاذجها وتداعياتها، علامة فارقة لعقود ولحظة اختبار مكتملة الأركان: اختبار لقدرة واشنطن وطهران على وقف الانحدار، واختبار لصلابة النظام الدستوري الأمريكي.
فحين تبدأ الحرب دون تفويضٍ سياسي، يُطبخ السلام على عجل بالطريقة نفسها، لتبدو هذه المحادثات أشبه بممر ضيق تتزاحم عنده ثلاث مخارج نحو حروب متجددة: اتفاق إطار هش، أو انهيار صريح، أو منطقة رمادية تُبقي الجمر مشتعلاً بلهب خفيف، نحو مزيد من التفسخ والفشل.
في السياسة، كما في الحروب، ليست كل نهاية خلاصاً.
يحمل الطرفان إلى المفاوضات حسابين متعارضين تماماً: حساب القوة، وحساب الكلفة. فالولايات المتحدة تريد تهدئةً توقف النزف الاستراتيجي والاقتصادي من غير أن تظهر بمظهر المتراجع. وإيران تريد اتفاقاً يجدد شرعية الفِرَق الحاكمة الجديدة. أما الوسطاء، فإنهم في سباق مع الساعة الموقوتة لعودة النار.
غير أن المفاوضات التي تزدحم فيها الإرادات المتعارضة تشترط شرعية راسخة لأطرافها، وإلا فإنها لا تُنتج حلاً نظيفاً؛ بل تسويةً ناقصة وهدنةً تتعايش مع أسباب الحرب كالجمر تحت التراب.
ليست إسلام آباد مسرحاً للمصافحات والبيانات، ولا هي رسماً لنتائج جولة القتال الراهنة، بل سترسم مستقبل التحالفات والاصطفافات والصراعات المقبلة في الإقليم.
وستحدد نتائج إسلام أباد كفاءة وحدود الدبلوماسية الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب. كما ستحدد ما تبقى من قدرات إيرانية. حيث يمكن لترامب أن يختار سلاماً إقليمياً، ، خشية حرب صريحة! سلاماً يعزز التفسخ المديد، ويشيع حروباً خلاصية مديدة، وتفكك مستحكم لدول الإقليم.
ستفضي المفاوضات إلى أحد ثلاث دروب:
الدرب الأول، ولعله الأرجح، ويبدو بصورته أكثر جاذبية: اتفاق إطار عام، لا يحل القضايا الكبرى، بل يؤجلها بمهارة. يقدم حلولاً مؤقتة للمضيق دون تسوية نهائية، ويُرحَّل ملف التخصيب لجولات لاحقة، وتبقى قضية الشبكات الحليفة والعقوبات والأصول المجمدة معلقة بين الصياغات المرنة والوعود المؤقتة. ليخرج كل طرف بقراءة على هواه: تعلن واشنطن أنها فتحت باب التهدئة وخفضت خطر التوسع، وتقول طهران إنها فرضت منطق التفاوض بدل الإملاء، وتلتقط الأسواق أنفاسها لبعض الوقت.
يبدو هذا المخرج مغرياً لأنه يمنح الجميع بعض الوقت، والوقت في الأزمات سلعة ثمينة، لكنه سلعة خداعة أيضاً.
ورغم أن الاتفاقات المرحلية تكون أحيانا الوسيلة الوحيدة لمنع الانفجار، فإنها، تُسوَّق على أنها سلام مكتمل، ال انها ما لم تنتج سلاما مديدا، يتحول الغموض من أداةٍ تكتيكية إلى عيب بنيوي. فلا تتبخر القضايا المؤجلة، بل تتصلب، فتطفو من جديد في حرب ثانية أكثر كلفة وأقل قابلية للمساومة.
يحفل التاريخ بهذه الدروس، من ترتيبات الهدنة العربية-الإسرائيلية إلى مسارات التفاوضية اللاحقة في كل الإقليم. فالاتفاق الذي يشتري الهدوء فحسب، يشتري مهلة، ليغدو بعد أشهر مجرد ستار لغوي فوق خلافات أُجّلت قصداً بحجة أن ثمن حسمها كان أعلى من قدرة القادة على الدفع.
الدرب الثاني، انهيار المفاوضات: فعند كل عقدة جوهرية ألغام لا تُحصى: التخصيب، الملاحة، التعويضات، الأصول المجمدة، أو بسبب تباين الحسابات حول الحلفاء الإقليميين. ومهما تعددت الأسباب، يسقط وقف إطلاق النار، وتعود الحرب لا كما بدأت، بل أكثر تشويشاً وأقل قابلية للضبط.
فالحرب قبل التفاوض تُبقي الباب موارباً أمام المخارج. أما الحرب بعد فشلها، فيرفع منسوب التصلب والعنف كلغة وحيدة مضمونة.
في صيف 1914 لم تكن أوروبا خالية من الرسائل والوساطات والمؤتمرات؛ لكنها كانت فقيرة في الإرادة السياسية القادرة على إيقاف منطق التعبئة المتبادلة. وحين فشلت محاولات الاحتواء، لم يبق الفشل دبلوماسياً؛ بل صار وقوداً للحرب.
وحين تبلغ الخصومات والشكوك مداها، تصبح اللعبة لعبة صفرية، وتصير طاولة المفاوضات جسراً نحو الكارثة.
ستكون كلفة هذا السيناريو باهظة على كل الأصعدة.
ستستجيب الأسواق بذعر مضاعف، وتقفز أسعار الطاقة، وسيجابه الداخل الأمريكي حرباً لم يُستشر فيها، ولا يعرف أهدافها النهائية.
أمريكياً، سيخلف الفشل مناخاً مسموماً: حرب دون إجماع مؤسسي ثم اتفاق مائع يغرق أمريكا في وحول المنطقة. فلا يعود السؤال: لماذا فشلت المفاوضات؟ بل: ما الذي سمح أصلاً بأن تبلغ السياسة هذا الحد من الارتجال؟
ثمة درب ثالث للمفاوضات، لكنه الأخطر رغم كونها الأقل صخباً والأشد إغواءً: لا اتفاق كامل، ولا انهيار كامل، بل تمديدٌ منظم للغموض. تُمدد الهدنة، تُستأنف الاجتماعات، تصدر بيانات بناءة، دافئة – باردة، ليستمر الصراع على الجوهر: يُفتح المضيق جزئياً أو بشروط، وتظل العقوبات معلقة بين التخفيف والتهديد، وتبقى أوراق النفوذ الإقليمي على حالها.
في الظاهر، يبدو هذا نجاحاً معقولاً: لا حرب شاملة، ولا قطيعة نهائية. بل يدخل الجميع منطقة استنزاف مزمنة.
هكذا ختام للمفاوضات يصنع وهماً بالتقدم، ويمنح السياسيين أفضل ما يشتهون: الوقت ولغةً قابلة للتسويق.
لكن أزمات الإقليم لا تُحل باللغة وحدها. والسوق لا يطمئن إلى نصف إشارة، والردع لا يستقر على نصف تفاهم، والخصوم لا يبنون الثقة على بيانات غائمة.
ويصبح “استمرار الحوار” عنواناً مؤدباً لتعذر الحسم.
بهذه الطريقة تتجنب إيران صدمة الفشل، ولا تراجع حساباتها!
يعرف الشرق الأوسط عن ظهر قلب، فيُبقي الجميع في منتصف الطريق: حرب مؤجلة، وسلام مؤجل، وكلفة وتفسخ يتراكمان بصمت.
لعل إسلام آباد تخرج بمزيج من السيناريو الأول والثالث: اتفاق إطار غامض، يمنع الانفجار الفوري، لكنه لا يعالج الأسباب. إذ لا يُقاس السلام بالبيانات الختامية، بل بالمشهد الذي يبقى بعد رحيل عدسات المصورين وعودة الوفود إلى عواصمها، وبعدما تبدأ أسئلة الضمانات والكلفة.
أمريكياً، لو استقر نموذج خوض الحروب دون تفويض، سيغدو سابقة خطرة. ففي السياسة، لا ترحل الأزمات وحدها؛ بل تترك وراءها أعرافاً. وبعض الأعراف، إن استقرت، يدوم خطرها أكثر من الحرب ذاتها.
ليس السؤال إذاً: متى تنتهي المفاوضات؟ بل، أي نهاية تُنتج؟ نهاية تشتري وقتاً؟ أم نهاية تُشعل جولة أشد؟ أم نهاية ثالثة، تُغري العالم بالاعتقاد أن الأزمة ماتت، في حين أنها لم تغيّر إلا جلدها؟
في الدبلوماسية، كما في التاريخ، ليست كل التسويات سلاماً؛ بل إن بعضها مجرد طريق أنيقة نحو فشل أكثر فداحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى