مقالات

استرجاع الأملاك بعد قرن: قراءة قانونية في حدود الممكن والمشروع

 

في ظل ما يُثار مؤخراً حول إعادة فتح ملفات الملكيات التاريخية، ولا سيما ما يُسمى بـ”الأوقاف العثمانية”، يبرز سؤال جوهري: هل يجيز القانون الدولي أو حتى القوانين الوطنية استرجاع أملاك بعد مرور مئة عام؟ وهل تملك أي سلطة أمر واقع، تفتقر إلى الشرعية الدستورية، صلاحية الخوض في هذا الملف؟

الجواب، من منظور قانوني بحت، واضح: لا.

أولاً: لا يوجد في القانون الدولي أي نص أو مبدأ يمنح حقاً تلقائياً باسترجاع الأملاك بعد مرور زمن طويل، خصوصاً عندما يتجاوز ذلك قرناً كاملاً. بل على العكس، تقوم الأنظمة القانونية في العالم على مبدأ راسخ يُعرف بـ”التقادم”، والذي يعني سقوط المطالبات القانونية بمرور الزمن، حفاظاً على استقرار المعاملات والملكيات ومنعاً للفوضى.

ثانياً: تخضع الملكيات العقارية لمبدأ السيادة الوطنية، أي أن الدولة القائمة هي وحدها صاحبة الاختصاص في تنظيم الملكية ضمن حدودها، وفق قوانينها و سجلاتها الرسمية. وعليه، فإن أي وثائق تاريخية، مهما بلغت قيمتها، لا يمكن أن تتجاوز السجلات العقارية الحديثة المعترف بها قانوناً، ولا يمكن أن تُنشئ حقوقاً جديدة على حساب حقوق مستقرة منذ عقود.

ثالثاً: حتى في الحالات الاستثنائية المرتبطة بانتهاكات جسيمة، كالحروب أو الجرائم الكبرى، فإن معالجة قضايا الملكية لا تتم بشكل عشوائي أو أحادي، بل عبر آليات قانونية معقدة تشمل محاكم مختصة أو اتفاقيات دولية، وغالباً ما تقتصر على التعويض، لا على نزع الملكيات القائمة.

رابعاً: إن أخطر ما في الطروحات الحالية هو صدورها عن جهات لا تستند إلى شرعية دستورية أو تمثيل وطني معترف به. فـ”سلطة الأمر الواقع”، بحكم تعريفها، تفتقر إلى الأساس القانوني الذي يؤهلها لاتخاذ قرارات سيادية تمس الملكية الخاصة، وهي من أكثر الحقوق حماية في القانون، سواء الوطني أو الدولي.

إن أي محاولة لنزع الملكية تحت غطاء “تصحيح تاريخي” أو “إعادة توثيق” تفتقر إلى الضوابط القانونية الصارمة، تُعد في حقيقتها شكلاً من أشكال المصادرة غير المشروعة، وتفتح الباب أمام نزاعات لا نهاية لها، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.

خامساً: إن فتح ملفات تعود إلى حقب تاريخية منتهية، دون إطار قانوني متكامل ومتوافق عليه دولياً، لا يؤدي إلى استعادة الحقوق، بل إلى تقويضها. فالقانون لا يُبنى على استدعاء الماضي بشكل انتقائي، بل على تثبيت الحاضر وضمان استقراره.

سادساً: مبدأ المعاملة بالمثل واستحالة فتح الملفات الانتقائية. إذا كان من الجائز قانوناً إعادة فتح ملفات الملكيات التاريخية استناداً إلى وثائق تعود إلى قرن أو أكثر، فإن ذلك لا يمكن أن يكون إجراءً انتقائياً أو أحادياً، بل يفتح الباب حكماً أمام مطالبات مقابلة لا تقل تعقيداً وخطورة.

فعلى سبيل المثال، يثور تساؤل مشروع:
هل يحق للسوريين الذين فقدوا أملاكهم في لواء اسكندرون المطالبة باستعادتها أو التعويض عنها، بعد ضم اللواء إلى تركيا عام 1939 وما رافقه من تغييرات قانونية وديموغرافية؟

وبالمثل، هل يمكن إعادة فتح ملفات الملكيات التاريخية لمكونات سكانية مختلفة، عربية أو سريانية أو كردية، التي فقدت أراضيها نتيجة تغيرات الحدود أو السياسات اللاحقة داخل الأراضي التي أصبحت ضمن الدولة التركية الحديثة؟

كما يطرح ذلك، من زاوية أخرى، ملف ممتلكات الأرمن الذين تعرضوا لعمليات تهجير ومصادرة واسعة خلال الإبادة الأرمنية، وهي قضية لا تزال حتى اليوم محل نزاع قانوني وسياسي دولي، ورغم ذلك لم تؤدِّ إلى استرجاع شامل للأملاك، بل اقتصرت في أفضل الأحوال على مطالبات محدودة وتعويضات جزئية عبر مسارات معقدة.

إن إثارة مثل هذه الأمثلة لا تهدف إلى فتح نزاعات تاريخية جديدة، بل إلى التأكيد على مبدأ قانوني أساسي:
لا يمكن التعامل مع التاريخ بمنطق انتقائي، ولا يمكن منح حق المطالبة لطرف وحرمان أطراف أخرى من الحقوق ذاتها.

أما الذهاب إلى وقائع تاريخية أقدم بكثير، تعود إلى قرون سابقة، فإنه يخرج عملياً من نطاق القانون ويدخل في نطاق السرديات التاريخية، إذ إن القانون الدولي والوطني على حد سواء يقومان على مبدأ استقرار الأوضاع القانونية وعدم قابلية إعادة تشكيل الملكيات عبر قرون من الزمن.

وعليه، فإن فتح هذا الباب، دون إطار قانوني شامل ومتوازن، لا يؤدي إلى تحقيق العدالة، بل إلى تقويضها، عبر خلق سلسلة لا تنتهي من المطالبات المتقابلة، التي يستحيل حسمها قانونياً أو عملياً.

ختاماً، إن حماية الملكية ليست مسألة إدارية أو تقنية، بل هي ركيزة من ركائز الدولة الحديثة. وأي مساس بها خارج إطار القانون، ومن قبل جهات تفتقر إلى الشرعية، لا يمكن وصفه إلا بأنه اعتداء صريح على الحقوق، ومحاولة لفرض وقائع بالقوة، ستبقى عرضة للطعن والمساءلة، مهما طال الزمن.

وفي هذا السياق، فإن أي إجراء يُتخذ اليوم خارج الأطر القانونية السليمة، لا يُنشئ حقاً دائماً، بل يؤسس لنزاع مؤجل، سيعود للظهور عاجلاً أم آجلاً، لأن الحقوق لا تسقط بالقوة، ولا تُمنح بغياب القانون.

 

لما المحمود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى