مقالات

لماذا تراجعت سوريا حضاريًا واجتماعيًا مقارنة بمرحلة الخمسينيات؟ لماذا تراجعت سوريا حضاريًا 70 سنة إلى الوراء؟

 

بقلم: د. عزالدين فندي

من المؤلم والمحيّر في آنٍ واحد أن نرى في عام 2025 مجتمعًا سوريًا يبتعد عن صورة سوريا المتحضرة التي عرفها العالم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. حين ننظر إلى صور دمشق وحلب واللاذقية بين عامي 1950–1965، نرى بلادًا كانت في طليعة الشرق الأوسط:
نساء يرتدن التعليم والعمل، لباس مدني متقدم، مجتمع حضري منفتح، مسارح وسينما، جامعات قوية، ونقاشات سياسية حيّة.

اليوم، وبعد سبعين عامًا، يبدو وكأننا نعود قرنًا إلى الخلف.
فما السبب؟
1. انهيار الدولة وانحسار مؤسسات التنوير
سوريا في الخمسينيات كانت تمتلك:

دولة قوية لكنها غير قمعية إلى الحدّ الذي عرفناه لاحقًا.
طبقة وسطى صاعدة.
مدارس وجامعات مستقلة.
إعلام حر وصحافة حزبية قوية.
هذه المؤسسات هي التي تنتج الوعي والنهضة.
ومع انهيار الدولة خلال العقود الماضية — وتحديدًا بعد 2011 — تفتت التعليم، تدمرت البنية الثقافية، واختنق الفضاء الديمقراطي.
فخلَت الساحة لخطابات متشددة.
2. صعود الأيديولوجيات المتطرفة نتيجة الحرب
الحرب تخلق التطرف.
وكلما ضعفت الدولة والمجتمع، ازدهرت الأيديولوجيات التي تعادي المرأة وتناهض الحداثة.
ما شهدناه خلال 14 عامًا من النزاع في سوريا:
عسكرة المجتمع.
سيطرة جماعات دينية متشددة في عدة مناطق.
فرض أنماط لباس وسلوك لا علاقة لها بالتراث السوري.
تحويل المرأة من “فاعل اجتماعي” إلى “موضوع للمنع والرقابة”.
هذا أكبر سبب لتراجع الحريات الشخصية.
3. هجرة العقول والطبقات المتعلمة
منذ الثمانينيات، ثمّ بعد 2011 بشكل أوسع، هاجر:
الأطباء
المهندسون
الفنانون
الأكاديميون
المثقفون المدنيون
وهؤلاء كانوا صمام أمان للنهضة الثقافية السورية.
اليوم، بقي مجتمع منهك اقتصاديًا، محاصرًا، ومتأثرًا بخطاب متطرف.
4. انهيار الاقتصاد والفقر الشامل
الفقر ليس حالة اقتصادية، بل حالة ثقافية أيضًا.
عندما يصبح:
85% من الشعب تحت خط الفقر
وانهيار الليرة
وفقدان الأمان الاجتماعي
يبدأ المجتمع بالانكفاء نحو أسوأ أشكال المحافظة والذكورية، لأن الفقر يخلق خوفًا، والخوف يعيد الإنسان إلى “القبيلة” بدل “الدولة”.
5. بداية التراجع ليست اليوم… بل منذ 1963
من المهم أن نذكر حقيقة تاريخية:
سوريا 1954–1958 كانت ديمقراطية حقيقية:
رئيس منتخب، برلمان حر، صحافة مستقلة، مجتمع متطور.
لكن فترات:
الوحدة مع مصر (1958–1961)
ثمّ حكم البعث (ابتداءً من 1963)
أنهت التعددية، وبدأ التراجع التدريجي للحريات، خصوصًا حريات المرأة.
هذا التراجع انفجر بعد 2011 وظهر بشكل فجّ.
خلاصة
نعم، هناك عودة 70 سنة إلى الوراء، وربما أكثر، ولكن ليس لأن “الشعب تغيّر”، بل لأن:
الحرب دمّرت بنية الدولة والمجتمع
التطرف تمدد
الفقر انتشر
المؤسسات المدنية والتربوية انهارت
والتهجير فرّغ سوريا من طاقاتها الاجتماعية والثقافية
والمجتمع الذي يفقد أمنه واقتصاده ومؤسساته… يعود تلقائيًا إلى الخلف.
د

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى