القطريون متواجدون في سوريا اليوم بأذرع إيرانية

طاهر سعود كاتب وصحفي
خرج الإيرانيون من سوريا قبل فترة وجيزة من سقوط نظام الأسد فيها. تاركين خلفهم بعضاً من أدواتهم (عدّة شغلهم) في هذا البلد لحلفائهم القطريين. فقد استأجر القطريون من الإيرانيين، العديد من شبكات نفوذهم داخل الأراضي السورية. ومعها، حلّت قطر عملياً، وبصمت، مكان إيران في سوريا. وأصبحت الشريك القوي للاحتلال التركي في السيطرة على (الدولة) السورية. وليس فقط على الفصائل الجهادية، التي نصّبتها أنقرة سلطة أمر واقع في دمشق.
يحكم الأتراك سوريا اليوم، بواسطة فصائل تكفيرية، متعددة الجنسيات. ليسوا وحدهم هم المسيطرون عليها. فتلك الفصائل، التابعة لتركيا، تتلقى دعمها المالي من الحكومة القطرية. وهي تدين بالولاء للأخيرة، بقدر ولائها للأتراك، إن لم يكن أكثر. وهذا الوضع، لا يريح النظام التركي بالطبع. فقوة النفوذ القطري، وتناميه لدى تلك الفصائل السلفية، وداخل سوريا؛ يضعف بقدر كبير سلطتهم على الأخيرة. لهذا، عمدوا إلى محاولة الحدّ من اتكالهم على شركائهم القطريين؛ بالاعتماد أكثر على السعوديين، في دعم سلطة الفصائل التكفيرية التركية في سوريا. فقطر، هي بالنسبة لحكام تركيا. هي مجرد بنك مالي، لتمويل مشاريعهم في المنطقة. ويعتقدون أن بالإمكان استبداله في سوريا ببنك آخر. سعودي، أو إماراتي.. لقاء منحه الإذن بفتح فروع له للعمل في هذا البلد. الذي أصبح اليوم (ولاية تركية).
ولأن تقليل اعتمادهم على شركائهم القطريين، في تثبيت سلطة فصائلهم الجهادية بدمشق؛ سيضعف بالقدر ذاته تلك السلطة الهشة. فالأتراك، بخلاء، لا ينفقون ما يكفي من أموال على تمويل أعمال فصائلهم المقاتلة، وعملائهم داخل سوريا. بل يستغلون، في هذا الشأن، حلفاءهم بقطر. وهو الذي كان دفع بهم للاستعانة بالسعوديين والإماراتيين، وإدخالهم (شركاء) منافسين للقطريين في سوريا. وبالفعل نجحت لعبة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تلك، في خلق حالة من الصراع الخفي ما بين الرياض والدوحة، للاستئثار بالهيمنة على قادة السلطة الإسلاموية الجديدة بدمشق. حيث أنفقت الدولتان الخليجيتان مليارات الدولارات على رشوة، وشراء ذمم قادة ومسئولين غربيين، وصحافيين ووسائل إعلام عربية وعالمية، ومشاهير المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأجل دعم تلك السلطة. التي هي الفرع السوري من تنظيم (القاعدة) الإرهابي. ومحاولة منحها (شرعية) دولية. رغم أنها ما تزال إلى اليوم مصنّفة على قوائم الإرهاب الأممية.
دخل الأتراك سوريا، وفرضوا احتلالهم لها بواسطة فصائل (إسلامية) إرهابية، بموجب (تفويض) مؤقت. منح لهم من البريطانيين والأمريكان. ولم يكن هذا (التفويض) الغربي، هو الذي سمح باستمرار سيطرتهم، أشهر عديدة، على هذا البلد المضطرب والمنقسم على نفسه. دون أن تواجه سلطتهم العبثية الدموية فيه بمقاومة محلية مقلقة لهم. ولا يعود السبب في ذلك إلى قوة استخباراتهم، وحكمة ساستهم. ولا للدعم السعودي ـ الأردني اللامحدود، المقدم إليهم. وإنما يرجع الفضل فيه لمشاركة القطريين لهم احتلالهم سوريا. فالدوحة، هي اليوم من اللاعبين الأساسيين بين الكبار على الساحة السورية. وتمتلك من عناصر القوة (المؤقتة) فيها، ما يفتقد إليه الأتراك والسعوديون والأردنيون. من أهمها، تواجدها المؤثر في عمق المجتمع المحلي، ولدى شرائح متنوعة منه؛ عبر أذرع طهران الأمنية. التي هي الآن في سوريا تحت تصرفها، وطوع أمرها. فاللقطريين حالياً القدرة على التأثير الفعال ضمن الأوساط السورية، التي يمكن لها أن تشكل تحدياً لسلطة دمشق الجديدة، ومن يقف وراءها. وهم بالتالي، يمثّلون عنصراً رئيسياً لا غنى عنه لاستقرار تلك السلطة السلفية المتطرفة.
إن أهم مصادر قوة نفوذ قطر الحالي في سوريا؛ يرجع لتعاونها الاستخباراتي الوثيق مع طهران. والذي يأتي، بهذا الخصوص، في إطار ترتيبات دولية، متوافق بشأنها مع البريطانيين والأمريكيين. أصحاب مشروع إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط. الجاري العمل عليه الآن؛ بدءاً من سوريا، وبأدوات إسرائيلية. وقطر وإيران، هما جزء أساسي منه. صحيح أن تواجد طهران غير ظاهر حالياً من خلاله. لكنها حاضرة بالعمق فيه. إذ أنها، هي من بدأت مراحله التحضيرية الأولى؛ عبر قيامها بزعزعة استقرار بعض الدول العربية، المستهدفة به، وإشاعة الفوضى داخلها؛ كسوريا، ولبنان والعراق واليمن. وبذلك ساهمت في تهيئة الأرضية المناسبة لتطبيقه عملياً على أرض الواقع.
وتبقى إيران، بما لها من خبرات، وإمكانيات، وطموحات توسعية خارج حدودها؛ حاجة ضرورية لاكتمال مشروع التقسيم الغربي للمنطقة. والمتوقع لها، أن تكون ثاني أكبر المستفيدين منه، بين دول الإقليم، بعد إسرائيل.
ألا يكون نشاط إيران مرئيا على الساحة السورية. هذا لا يعني مطلقاً أنها خارجها. هي الآن متواجدة فيها من خلال الدور القطري، المتحكم، كما التركي، بكافة مفاصل سلطة الأمر الواقع بدمشق. والإيرانيون، هم شركاء فعليون في مشروع تغيير خريطة الشرق الأوسط. الذي تشرف على تنفيذه بريطانيا، بدعم أمريكي كامل. ولا يقتصر دورها الحالي في الداخل السوري على العمل من خلال الواجهة القطرية فقط. وإنما تقوم ببعض النشاطات السرّية على الأرض، بتنسيق مباشر مع الضباط الأمريكيين، المتواجدين في قاعدة التنف العسكرية (عند المثلث الحدودي السوري، العراقي، الأردني)، التابعة للتحالف الدولي. الذي تقوده الولايات المتحدة، لمحاربة تنظيم (داعش) الإرهابي. وكان وفداً إيرانياً قد زار سرّاً منطقة الساحل السوري، قبل نحو شهرين من مجازر آذار /مارس. التي راح ضحيتها آلاف المدنيين العلويين الأبرياء. على أيدي مقاتلي فصائل سلطة الأمر الواقع التكفيرية. والتقى الإيرانيون خلال تلك الزيارة بأصدقاء علويين، مقربون منهم. وطلبوا إليهم تنبيه أبناء طائفتهم العلوية من خطورة الإقدام على تسليم سلاحهم للسلطة الجديدة (هيئة تحرير الشام الجهادية، والفصائل التكفيرية، متعددة الجنسيات، المتحالفة معها). التي تحضّر لارتكاب مذابح طائفية بحقهم؛ حال تسليم سلاحهم لها. وهو ما كان حصل بالفعل. ونصحوهم كذلك، بالتواصل مع الأمريكيين، والتعاون معهم. مؤكدين استعدادهم لترتيب لقاءات مباشرة، لمن يشاء منهم، مع الضابط الأمريكي المسؤول في قاعدة التنف.
الإيرانيون، بارعون في ممارسة لعبة التخفي، واستخدام الآخرين وسيلة لتحقيق مصالح طهران من خلالهم. وكثيراً ما ينتهجون سياسة ملتبسة، يتناقض فيها المعلن مع الواقع. إذ، وبرغم عدائهم العلني الصاخب للإسرائيليين والأمريكان. لا يجدون حرجاً في مشاركة أولئك (الأعداء)، العمل معاً، ضمن مشروع إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط من جديد. الجاري تنفيذه الآن؛ طالما أن لهم فيه حصة يتقاسمونها معهم. وإن على حساب دول إقليمية أخرى. هي اليوم أدوات ناشطة به. وغداً، ستكون من بين ضحاياه؛ كتركيا، والسعودية، والأردن.


