مقالاتيصنف رئيسي

سورية التي أخفتها السنوات… حين تكشف الوثائق جانباً آخر من القدرات الدفاعية لدولة الأسد

 

لم تكن سورية، في عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد، مجرد دولة تتابع التطورات العلمية والتكنولوجية من بعيد؛ بل تكشف التطورات والوثائق التي تظهر تباعاً عن جوانب من مشاريع استراتيجية جرى العمل عليها بعيداً عن الأضواء، وفي مقدمتها الملف النووي الذي بقي لعقود واحداً من أكثر الملفات غموضاً في تاريخ الدولة السورية الحديثة.

واليوم، وبعد سنوات طويلة من الجدل، يأتي تقرير سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية ليعيد فتح الملف من زاوية أكثر خطورة وإثارة للاهتمام، بعدما خلصت الوكالة إلى أن منشأة دير الزور التي دُمّرت عام 2007 كانت مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء، وأن سورية أخفقت في الإعلان عن مواد ومنشآت وأنشطة نووية مرتبطة بالبرنامج النووي السوري السري.

مفاعل نووي و73 طناً من اليورانيوم

وفق أحدث ما أوردته التقارير المستندة إلى نتائج الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عاين مفتشو الوكالة موقع دير الزور خلال آب/أغسطس 2026، وواصلوا أعمال الحفر والفحص بالتنسيق مع السلطة المؤقتة، بما في ذلك بنية مرتبطة بنظام التبريد، وهي بنية تتطابق مع خصائص منشأة مفاعل نووي.

لكن المفاجأة الأبرز لم تكن في الموقع المدمر وحده.

فقد تمكن مفتشو الوكالة من التحقق من وجود نحو 73 طناً مترياً من معدن اليورانيوم الطبيعي في مواقع مرتبطة بالبرنامج السوري السابق، بينها نحو 55 طناً في صورة قضبان وقود، فيما تخضع المواد حالياً لإجراءات الاحتواء والمراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق وكالة الأنباء (رويترز)

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد وجود منشأة نووية.

كيف تمكنت دولة تعيش تحت حصار وضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية متواصلة من الوصول إلى هذه المرحلة من مشروع نووي سري، وتأمين منشآت ومواد ومكونات مرتبطة بدورة الوقود النووي؟

التكنولوجيا التي لم تُرَ على الشاشات

لطالما ارتبط اسم سورية في الإعلام الدولي بالصراع السياسي والعسكري، بينما بقيت جوانب أخرى من قدراتها العلمية والتقنية بعيدة عن الصورة اليومية.

فالدول لا تبني منشأة نووية من خلال قرار سياسي فقط.

مثل هذا المشروع يحتاج إلى مهندسين، وفيزيائيين، وخبراء كيمياء ومواد، وأنظمة تحكم وتبريد، وبنية تحتية صناعية، وقدرات في التصنيع والقياس والمختبرات، فضلاً عن شبكة واسعة من المعرفة التقنية.
كل ذلك بخبرات وطنية سورية لم يكشف بعد من الداعم بشكلٍ مباشر.

ومن هنا، فإن الكشف عن برنامج نووي سري لا يقرأ فقط باعتباره قصة سلاح أو مفاعل، بل باعتباره مؤشراً على مستوى من القدرة العلمية والهندسية والتنظيمية كان موجوداً داخل مؤسسات الدولة السورية.

وقد أشارت التحقيقات السابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن منشأة دير الزور كانت مرتبطة بمشروع مفاعل نووي، فيما خلصت الوكالة عام 2011 إلى أن المنشأة كانت بالفعل مفاعلاً نووياً كان ينبغي على سورية الإعلان عنه. (الوكالة الدولية للطاقة الذرية⁠)

من حافظ الأسد إلى بشار الأسد… تراكم دولة وإصرار دائم
لا مشروع يوم واحد

ومن الصعب النظر إلى أي مشروع استراتيجي بهذا الحجم باعتباره وليد سنوات قليلة فقط.

فالدول التي تمتلك قاعدة علمية وهندسية قادرة على تنفيذ مشاريع بالغة التعقيد تعتمد عادة على تراكم طويل في التعليم الجامعي، والمؤسسات البحثية، والصناعة، والجيش، ومراكز الدراسات، والكوادر المتخصصة.

وفي الحالة السورية، نشأت خلال العقود الماضية قاعدة واسعة من الجامعات والمعاهد والكوادر العلمية في مجالات الهندسة والطب والكيمياء والفيزياء والاتصالات، وهو ما وفر للدولة مخزوناً بشرياً وتقنياً يمكن توظيفه في مشاريع استراتيجية.

وهنا تظهر مفارقة تاريخية تستحق التوقف عندها:

سورية التي ظهرت في كثير من الأحيان في صورة دولة محدودة الموارد، كانت تمتلك في الوقت نفسه طموحات علمية وتقنية تتجاوز بكثير إمكاناتها الاقتصادية المعلنة.

هل كانت سورية قوة تكنولوجية؟

ربما يكون من المبالغة وصف سورية بأنها كانت «قوة تكنولوجية» بالمعايير العالمية، خصوصاً إذا قورنت بدول كبرى تمتلك شركات تقنية عملاقة واقتصاداً معرفياً متقدماً.

لكن من الصعب أيضاً تجاهل حقيقة أن الدولة السورية طورت، على مدى عقود، قدرات في مجالات عسكرية وهندسية وتقنية معقدة، وأن مشروع دير الزور – إذا قُرئ في ضوء نتائج الوكالة الدولية للطاقة الذرية – يمثل واحداً من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك.

فالحديث عن مفاعل نووي، وعن تصنيع وقود، وعن عشرات الأطنان من اليورانيوم الطبيعي، يعني الحديث عن سلسلة من القدرات العلمية والتقنية والصناعية، وليس مجرد منشأة منفردة.

وقد ذكرت تقارير حديثة أن المشروع ارتبط بشكلٍ غير مباشر بمساعدة من كوريا الشمالية، وهي نقطة مهمة عند تقييم طبيعة البرنامج وشبكة التعاون التي أحاطت به.

إنجاز علمي أم مشروع سري محفوف بالمخاطر؟

هنا يجب الفصل بين أمرين.

الأول: القدرة العلمية والتكنولوجية التي يكشفها المشروع.

والثاني: مشروعية وسلامة إخفاء منشآت ومواد نووية عن نظام الضمانات الدولي.

فالقدرة العلمية بحد ذاتها ليست جريمة، والطاقة النووية المدنية يمكن أن تكون أداة للتنمية وإنتاج الكهرباء والطب والصناعة والبحث العلمي.

لكن عدم الإعلان عن المنشآت والمواد النووية للجهة الدولية المختصة يفتح باباً واسعاً للشكوك المتعلقة بطبيعة البرنامج وأهدافه.

وهذا تحديداً ما جعل الملف السوري يستمر سنوات طويلة داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

المفارقة السورية

ربما تكون المفارقة الأكبر أن كثيراً من السوريين لم يعرفوا حجم بعض المشاريع التي كانت تجري باسم دولتهم، ولم يكن الجمهور قادراً على رؤية ما يجري خلف الأبواب المغلقة.

واليوم، وبعد سقوط نظام الأسد وعودة المفتشين الدوليين إلى المواقع، بدأت أجزاء من تلك الصورة بالظهور.

ليست القضية إذن مجرد «73 طناً من اليورانيوم» أو «مفاعل دير الزور».

القصة الأوسع هي أن سورية امتلكت، خلال عقود، كوادر علمية وهندسية ومؤسسات قادرة على التعامل مع تقنيات شديدة التعقيد، وأن جزءاً من هذه القدرات وُظف في مشاريع استراتيجية ظلت بعيدة عن الرقابة العامة والإعلامية.

وفي النهاية، يبقى السؤال التاريخي مفتوحاً:

لو وُجّهت القدرات العلمية والتكنولوجية السورية نحو اقتصاد المعرفة والطاقة السلمية والبحث العلمي والصناعة المدنية، بدلاً من بقائها خلف جدران السرية، فكيف كان يمكن أن تبدو سورية اليوم؟

لكن هذه القدرات الاستراتيجية انهارت بفعل عوامل داخلية وخارجية، كان من أخطرها أبناءٌ ارتبطوا بأجندات قوى خارجية سعت إلى مصادرة القرار السوري السياسي والاقتصادي والفكري، وتحويل مقدرات البلاد من أدوات للتنمية والسيادة إلى ساحات للصراع والاستنزاف.

#منصة_صوت_سورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;