الذكاء الاصطناعي في يد المخترقين.. كيف غيّر أساليب التصيد الإلكتروني

لم يعد التصيد الإلكتروني كما كان قبل سنوات. فبعد أن كانت رسائل الاحتيال مليئة بالأخطاء الإملائية وسهلة الاكتشاف، أصبح الذكاء الاصطناعي يمنح مجرمي الإنترنت أدوات متطورة لإنتاج رسائل ومواقع إلكترونية يصعب على كثير من المستخدمين التمييز بينها وبين الرسائل الحقيقية.
وخلال عام 2025، حذرت شركات الأمن السيبراني من تصاعد الهجمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد المهاجم بحاجة إلى مهارات لغوية أو تقنية عالية، بل أصبح بإمكانه إنشاء حملات احتيالية متقنة خلال دقائق، تستهدف الأفراد والشركات على حد سواء.
ما هو التصيد الإلكتروني؟
التصيد الإلكتروني (Phishing) هو أسلوب احتيالي يهدف إلى خداع الضحية ودفعها للكشف عن معلومات حساسة، مثل كلمات المرور، أو بيانات البطاقات المصرفية، أو رموز التحقق، من خلال رسائل أو مواقع مزيفة تبدو وكأنها صادرة عن جهات موثوقة.
ويظل هذا الأسلوب من أكثر الهجمات نجاحًا، لأنه يعتمد على استغلال ثقة المستخدم قبل استغلال أي ثغرة تقنية.
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟
في السابق، كانت رسائل التصيد تحتوي على أخطاء لغوية أو صياغات ركيكة تكشف حقيقتها بسرعة. أما اليوم، فيستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة رسائل احترافية بلغات متعددة، مع تقليد أسلوب الشركات أو حتى طريقة كتابة شخص تعرفه.
كما أصبح بإمكان المهاجمين تخصيص الرسائل لكل ضحية، بالاعتماد على المعلومات المتاحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو البيانات المسربة، مما يزيد من احتمالية نجاح الهجوم.
انتحال الهوية أصبح أكثر إقناعًا
لم يعد الأمر يقتصر على الرسائل النصية، بل امتد إلى استخدام تقنيات التزييف العميق (Deepfake) لتقليد الأصوات والصور.
وقد يتلقى الموظف مكالمة تبدو وكأنها من مديره المباشر تطلب تحويل مبلغ مالي بشكل عاجل، أو يتلقى المستخدم رسالة صوتية من شخص يثق به، بينما تكون في الحقيقة مولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي.
هذا النوع من الهجمات جعل التحقق من هوية المرسل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
مواقع مزيفة يصعب تمييزها
أصبح الذكاء الاصطناعي يساعد المهاجمين على إنشاء صفحات تسجيل دخول تحاكي المواقع الأصلية بدقة كبيرة، سواء كانت لمنصات التواصل الاجتماعي أو البنوك أو خدمات البريد الإلكتروني.
وفي كثير من الحالات، لا يلاحظ المستخدم أي اختلاف واضح، فيدخل بياناته معتقدًا أنه يتعامل مع الموقع الرسمي، بينما تنتقل معلوماته مباشرة إلى المهاجم.
من هم الأكثر استهدافًا؟
لا تقتصر الهجمات على الشركات الكبرى، بل تستهدف الجميع.
الموظفون يتعرضون لمحاولات سرقة بيانات العمل، وأصحاب الصفحات على مواقع التواصل يصبحون هدفًا للاستيلاء على حساباتهم، بينما يُستهدف المستخدمون العاديون للحصول على بياناتهم الشخصية أو المالية أو حساباتهم الرقمية.
كيف تحمي نفسك؟
تبدأ الحماية بعدم الوثوق بأي رسالة تطلب منك تسجيل الدخول أو مشاركة معلومات حساسة دون التحقق من مصدرها. ومن الأفضل كتابة عنوان الموقع يدويًا في المتصفح بدلًا من الضغط على الروابط المرسلة عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية.
كما يُنصح بتفعيل المصادقة الثنائية لجميع الحسابات، وعدم مشاركة رموز التحقق مع أي شخص، ومراجعة عنوان الموقع الإلكتروني قبل إدخال كلمة المرور.
وفي حال تلقيت طلبًا ماليًا أو إداريًا عبر رسالة أو مكالمة، فمن الأفضل التأكد من صحته عبر وسيلة اتصال أخرى، خاصة إذا كان الطلب غير معتاد أو يحمل طابع الاستعجال.
هل سيزداد خطر التصيد الإلكتروني مستقبلًا؟
تشير المؤشرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيواصل تطوير أساليب الهجمات الإلكترونية، مما يجعلها أكثر دقة وإقناعًا. وفي المقابل، تعمل شركات الأمن السيبراني أيضًا على توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الرسائل الاحتيالية وتحليلها قبل وصولها إلى المستخدمين.
ومن المرجح أن تستمر هذه المواجهة بين المهاجمين والمدافعين خلال السنوات المقبلة، مع تطور الأدوات لدى الطرفين.
الخلاصة
لم يجعل الذكاء الاصطناعي التصيد الإلكتروني أكثر انتشارًا فحسب، بل جعله أكثر احترافية وصعوبة في الاكتشاف. ولم يعد الاعتماد على ملاحظة الأخطاء الإملائية أو شكل الرسالة كافيًا للحكم على مصداقيتها.
وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي تقليد الكتابة والصوت والصورة، يبقى وعي المستخدم هو خط الدفاع الأول. فالتوقف لثوانٍ قبل الضغط على أي رابط، والتحقق من هوية المرسل، قد يكونان الفارق بين حماية حساباتك وبياناتك، أو الوقوع ضحية لهجوم إلكتروني متقن.
جعفر بدران – موقع صوت سوريا



